عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
533
اللباب في علوم الكتاب
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 45 إلى 46 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 46 ) قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا الآية . لمّا ذكر نعمه على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى المؤمنين يوم بدر ، علّمهم - إذا التقوا - نوعين من الأدب ، الأوّل : الثّبات وهو أن يوطّنوا أنفسهم على اللّقاء ، ولا يحدثوها بالتولّي . والثاني : أن يذكروا اللّه كثيرا ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا فيه ، أي : جماعة كافرة « فاثبتوا » لقتالهم . وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً ادعوا اللّه بالنصر والظفر بهم . وقيل : المراد أن يذكروا اللّه كثيرا بقلوبهم ، وبألسنتهم . ثم قال تعالى : لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي : كونوا على رجاء الفلاح . فإن قيل : هذه الآية توجب الثّبات على كلّ حال ، وهذا يوهم أنّها ناسخة لآية التّحرف والتحيّز . فالجواب : أنّ هذه الآية توجب الثّبات في الجملة ، وهو الجدّ في المحاربة ، وآية التحرّف والتحيّز لا تقدح في حصول الثبات في المحاربة ، بل الثبات في هذا المقصود ، لا يحصل إلّا بذلك التحرف والتحيز ، ثمّ أكد ذلك بقوله : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فيما يأمر به ؛ لأن الجهاد لا ينفع إلّا مع التّمسّك بسائر الطاعات ، « وَلا تَنازَعُوا » لا تختلفوا ، فإنّ النزاع يوجب أمرين . أحدهما : الفشل ، وهو الجبن والضّعف . والثاني : « تَذْهَبَ رِيحُكُمْ » . قال مجاهد : نصرتكم « 1 » . وقال السّديّ : جراءتكم وجدكم « 2 » . وقال مقاتل : حدّتكم « 3 » . وقال النضر بن شميل : قوّتكم « 4 » . وقال الأخفش : دولتكم . و « الرّيح » هاهنا - كناية عن بقاء الأمر وجريانه على المراد ؛ تقول العرب : « هبّت ريح فلان » إذا أقبل أمره على ما يريد ، وهو كناية عن الدّولة والغلبة ؛ قال : [ الوافر ]
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 261 ) وذكره البغوي في « معالم التنزيل » ( 2 / 253 ) . ( 2 ) انظر المصادر السابقة . ( 3 ) انظر « معالم التنزيل » للبغوي ( 2 / 253 ) . ( 4 ) انظر المصدر السابق .